فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله ، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام ، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور ، ويقول : * ( فإياي فارهبون ) * وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله : * ( فإياي فارهبون ) * يفيد الحصر ، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه ، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد ، وأما ما سواه فمحدث ، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده ، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه ، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات . ثم قال بعده : * ( وله ما في السماوات والأرض ) * وهذا حق ، لأنه لما كان الإله واحداً ، والواجب لذاته واحداً ، كان كل ما سواه حاصلاً بتخليقه وتكوينه وإيجاده ، فثبت بهذا البرهان صحة قوله : * ( وله ما في السماوات والأرض ) * واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن أفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى ، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته ، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب . ثم قال بعده : * ( وله الدين واصباً ) * الدين ههنا الطاعة ، والواصب الدائم . يقال : وصب الشيء يصب وصوباً إذا دام ، قال تعالى : * ( ولهم عذاب واصب ) * ( الصافات : 9 ) ويقال : واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها . ويقال للعليل واصب ، ليكون ذلك المرض لازماً له . قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فإن طاعته واجبة أبداً . وأعلم أن قوله ( واصبا ) حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . وأقول : الدين قد يعنى به الانقياد . يقال : ما من دانت له الرقاب أي انقادت . فقوله ( وله الدين واصبا ) أي انقياد كل ما سواه له لازم أبدا . لان انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجا إلي السبب في طرف الوجود والعدم . والماهيات يلزمها الامكان لزوما ذاتيا ، والامكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا . ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزومها ذاتيا . فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير . وأقول : في الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح . واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب ؟ قال المحققون : إنه محتاج لأن علة الحاجة هي